من يطرّز فستانا لـ غادة ؟
كفراشة تشبهها أخرى في بلاط شمعة ما من هذا الليل، كان لها ثوب مطرز بالضحكات، وحقيبة خبأت فيها عمراً من الأمنيات وحلما من الحكايات.
وكان لها ميعاد مع فجر في أيلول تصحو في صباحه قبل أن تغفو النجوم، وترش الندى على ورد انتظارها وتفتح شبّاك المواعيد ليراقص النسيم ستارة في انتظاره.
تسللت إلى غرفتي في تلك الليلة تتأكد من ضبط المنبه على توقيت أمنيتها، أن أرافقها ذلك الصباح إلى باب المدرسة، أعلمها أن تبتسم وتتأكد من نظافة يدها.
وكانت ستكرر سؤالها اليومي.. لماذا أحتسي القهوة وهي مجبرة على ارتشاف الحليب، وأقنعها أن تطبع قبلة على خد دميتها وتخبرها أنها ستعود تحضنها بعد الظهيرة.
تصرّ على الجلوس في المقعد الأمامي، أتلو عليها تعليمات السلامة.. أخبرها أن “همتاور” صديقها المفضل سوف “يزعل” وتحدق في عيني ثم تقول.. هاتان حزام أمان.
كانت وادي أمنياتي الذي انتظر غيمة أن تغسله بسيل من قدر، أضاع ساعي البريد عناوين الغيمات فطال انتظار السنابل.
وكانت فراشة خانتها الشموع قبل أن تكمل رقصتها الأخيرة.
كان لها قدر عاصفة، تنتظرها الحقول بشغف ولكن لا تشتهي معها طول المقام.
وكادت أن تكون وطن، فتحوّلت فجأة إلى صالة مغادرة يسكنها المشغولون بالتحديق في ساعاتهم بانتظار الرحيل.
كانت أمنية.. ثم صارت قدراً. والأقدار تكاليف العمر والأمنيات تساليه.
كانت قصيدة لم تكتب إلا بمداد كحلها الذائب ذات حزن.
كألحاظ امرأة منقبة أصابتني وسط زحام عابر، فأصبح كل المدينة أشباه وكل العيون تفاصيل.
كتبتها كلمات، وانقطع الوتر في منتصف اللحن.. وشدوت لها وحيدا بصوت نشاز.
هي لن تعود لتخبرني تفاصيل اليوم الأول، لتعتذر عن بقايا الحلوى على ثوب مدرستها، لتغفو من تعب في زاوية ما دون ترتيب.
هي لن تخبئ دفاترها كي لا أكتشف أين أضاعت وعدها في الفوز بالعلامة بالكاملة.
هي لن تحلم بلباس الطبيبات، وأناقة المذيعات، ولن تقلد مع صديقاتها دور الأبلة “منيرة”
ذبلت كنبتة خزامى أنهكها في قفر أقداري الهجير.
أسكنت أحلامي في وطن، وأرسلت أقداري إلى منفى.
قطعت لها كل الوعود التي أعلم أنها ليست بيدي، وصدقت مني كل الكذبات التي تيبست على شفتي. وعدنا كغريبين نتحادث في حجرة باردة، أحدنا يتأفف من سجائر الآخر ولكن يخشى أن يبقى وحيدا قبل أن يحين ميعاد رحيله.
رحلت دون وداع، تسللت من الباب الخلفي للذاكرة.. وحزمت حقيبة الذكريات وغادرت بجواز سفر من وعود لن تكون.
الآن تجلس هنا، كطيف تسلل من هذه النافذة، رائحتها تعبق كوهم، وأشيائها متناثرة كبقايا عاصفة.
لم يبقى منها سوى مقعد على طرف الشارع فشلت في إقناع العابرين ألا يتوسدوه كي لا تموت ذرات أسقطتها ليلة التقينا هنا.
لم تخبرني أنها سترحل، ولم أصارحها بأني لن انتظر. وافترقنا بحديث بين عينين، كما التقينا بقدر بين عينين.
رحلت ذات ضجر من تفاصيل صغيرة، وذات غضب تمنيت لو اقترفت حماقة تليق بأن ننتهي.
وبقيت هنا أتلو على نفسي وعودا كاذبة..
أخبر طيفها المرسوم على لوحة في جدار غرفتها أني سأغني معها “همتاور” مرة أخرى، أني سأدعها تشاركني احتساء القهوة السوداء كل صباح، أن سأعلمها جدول الضرب كي لا تخفق في واجبها المدرسي، أن سأجلسها في المقعد الأمامي كل صباح، وقد تفوز بتذكرة في أحضاني.
رحلت غادة…